ابن عبد الرحمن الملطي
51
التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع
وأما قوله لإبليس : ( إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ) [ 137 ] يعنى المشركين وقول إبليس في آية أخرى : ( وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ) [ 138 ] فكان هذا عند من يجهل التفسير ينقض بعضه بعضا . وليس بمنتقض ولكنهما في تفسير الوجوه المختلفة . فأما قوله عز وجل لإبليس : ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) يعنى عباد الله المخلصين خاصة لمن استثنى عز وجل أنهم في علمه مؤمنون ، فإنه ليس لإبليس عليهم سلطان أن يستزلهم عن التوحيد إلى الشرك خاصة بدعايته وتزيينه ووسوسته . فأما الذنوب دون الشرك فهو يستزلهم . وذلك قول موسى عليه السلام حين قتل النفس : ( هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) يعنى من تزيين الشيطان من غير كفر كما زين لآدم عليه السلام ولإخوة يوسف عليه السلام . وغيرهم فأزلهم ، وكانوا من أفاضل عباد الله المخلصين ، فهذا تفسيرهما . فأما تفسير قوله سبحانه لإبليس : ( إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ) يعنى سلطانه في الدعاء إلى الشرك والتزيين والوسوسة في أمر الشرك ( عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ) يعنى إبليس والذين هم بالله مشركون ، فذلك قوله : ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ) [ 139 ] يعنى بدعائك ، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود . وقال في آية أخرى : ( أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ) [ 140 ] ، يعنى تغريهم إغراء ، وتزعجهم في الكفر إزعاجا بالدعاء والتزيين . وأما تفسير قول إبليس : ( وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ) يقول : ولم يكن لي عليكم الملك ما أقهركم على الشرك ، وتصديق ذلك قوله : ( إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) [ 141 ] ، فهذا تفسيرهما . وأما قوله عز وجل للكفار : ( إِنَّا نَسِيناكُمْ ) [ 142 ] وقال في آية أخرى : ( لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ) [ 143 ] ، فكان هذا عند من يجهل التفسير ينقض بعضه بعضا وليس بمنتقض ولكنهما في تفسير الوجوه المختلفة . فأما تفسير الوجوه قال الله تبارك وتعالى : ( إِنَّا نَسِيناكُمْ ) فإنه يقول للكفار حين